أحمد بن علي القلقشندي

322

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

عقدا ، ويأخذ له على أهل البيعة بذلك عهدا ، ويستحلفهم على الوفاء لهما بما عاهدوا ، والوقوف عندما بايعوا عليه وعاقدوا ، ليقترن السّعدان فيعمّ نوءهما ، ويجتمع النّيّران فيبهر ضوءهما ، فلبّاه تلبية راغب ، وأجابه إجابة مطلوب وإن كان هو الطالب ، وعهد إليه في كلّ ما تقتضيه أحكام إمامته في الأمة عموما وشيوعا ، وفوّض له حكم الممالك الإسلاميّة جميعا ، وجعل إليه أمر السلطنة المعظَّمة بكلّ نطاق ، وألقى إليه مقاليدها وصرّفه فيها على الإطلاق ، وأقامه في الأمة لعهد الخلافة وصيّا ، وجعله للإمامة بتفويض الأمر إليه وليّا ، ونشر عليه لواء الملك وقلَّده سيفه العضب ، وألبسه الخلعة السّوداء فابيضّ من سوادها وجه الشرق والغرب ، وكتب له بذلك عهدا كبت عدوّه ، وزاد شرفه وضاعف سموّه ، وطولب أهل البيعة بالتّوثيق على البيعتين بالأيمان فأذعنوا ، واستحلفوا على الوفاء فبالغوا في الأيمان وأمعنوا ، وأقسموا باللَّه جهد أيمانهم ، بعد أن أشهدوا اللَّه عليهم في إسرارهم وإعلانهم ، وأعطوا المواثيق المغلَّظة المشدّدة ، وحلفوا بالأيمان المؤكَّدة المعقّدة ، على أنهم إن أعرضوا عن ذلك أو أدبروا ، وبدّلوا فيه أو غيّروا ، أو عرّجوا عن سبيله أو حادوا ، أو نقصوا منه أو زادوا ، فكلّ منهم بريء من حول اللَّه وقوّته إلى حول نفسه وقوّته ، وخارج من ذمّته الحصينة إلى ذمّته ، وكلّ امرأة في نكاحه أو يتزوّجها في المستقبل فهي طالق ثلاثا بتاتا ، وكلَّما راجعها فهي طالق طلاقا لا يقتضي إقامة ولا ثباتا ، وكلّ مملوك في ملكه أو يملكه في المستقبل حرّ لا حق بأحرار المسلمين ، وكلّ ما ملكه أو يملكه من جماد وحيوان صدقة عليه للفقراء والمساكين ، وعليه الحجّ إلى بيت اللَّه الحرام ، والوقوف بعرفة وسائر المشاعر العظام ، محرما من دويرة أهله ماشيا ، حاسرا عن رأسه وإن كان به أذى حافيا ، يأتي بذلك في ثلاثين حجّة متتابعة على التمام ، لا تجزئه واحدة منها عن حجّة الإسلام ، وإهداء مائة بدنة ( 1 ) للبيت العتيق كلّ سنة

--> ( 1 ) البدنة ، بالفتح : ناقة أو بقرة تنحر بمكة ، سمّيت بذلك لأنهم كانوا يسمّنونها ، والجمع بدن ، بالضم . هكذا قال في مختار الصحاح ، مادة ( بدن ) . وفي القاموس المحيط : البدنة ، محركة ، - من الإبل والبقر ، كالأضحية من الغنم ، تهدى إلى مكة ، للذكر والأنثى ، والجمع بدن ككتب . وفي اللسان : البدنة من الإبل والبقر : كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة ، الذكر والأنثى في ذلك سواء ، والجمع بدن وبدن .